عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

62

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

تعالى لظهوره الأكمل على حسب أسمائه وصفاته فالإنسان أنزل الموجودات مرتبة وأعلاهم مرتبة في الكمالات فليس لغيره ذلك ، وقد بيناه أنه الجامع للحقائق الحقية والحقائق الخلقية جملة وتفصيلا حكما ووجودا بالذات والصفات لزوما وعرضا حقيقة ومجازا ، وكلما رأيته أو سمعته في الخارج فهو عبارة عن رقيقة من رقائق الإنسان أو اسم لحقيقة من حقائقه ، فالإنسان هو الحق وهو الذات وهو الصفات وهو العرش وهو الكرسي وهو اللوح وهو القلم وهو الملك وهو الجن وهو السماوات وكواكبها وهو الأرضون وما فيها وهو العالم الدنياوي وهو العالم الأخراوي وهو الوجود وما حواه وهو الحق وهو الخلق وهو القديم وهو الحادث فللّه در من عرف نفسه معرفتي إياها لأنه عرف ربه معرفته لنفسه « 1 » ، وليكن هذا آخر الكتاب واللّه الموفق للصواب وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين أمين . الحمد للّه تم كتاب « مراتب الوجود وحقيقة كل موجود »

--> - الكامل بالأكمل ، ومنتسبون إليه انتساب الفاضل ، ومطلق لفظ الإنسان الكامل حيث وقع في مؤلفاتي إنما أريد به محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، تأدبا بمقامه الأعلى ومحله الأكمل الأسنى ، ولي في هذه التسمية له إشارات وتنبيهات على مطلق مقام الإنسان الكامل لا يسوغ إضافة تلك الإشارات ، ولا يجوز إسناد تلك العبارات إلا لاسم محمد صلى اللّه عليه وسلم إذ هو الإنسان الكامل بالاتفاق ، وليس لأحد من الكمل ماله من الخلق والأخلاق » . ( الباب الموفى ستين ص 207 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت ) . ( 1 ) هذه الصفات التي يتحدث عنها الشيخ الجيلي يراد بها ما في الإنسان من كمالات إلهية مصداقا لقوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] فالإنسان يقابل عالم الملك بجسمه ونفسه ويقابل عالم الملكوت بقلبه وعقله ويقابل عالم الجبروت بروحه وسره . ويقول الإمام علي كرم اللّه وجهه ورضي عنه : أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر ، فالإنسان من حيث بشريته هو حادث ممكن وعدم وخيال وباطل ، ومن حيث روحانيته هو الواجب باللّه تعالى والوجود والحق والحقيقة . يقول الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري في حكمه : « تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ، تحقق بذلك يمدك بعزه ، تحقق بعجزك يمدك بقدرته » . قال اللّه تعالى في الحديث القدسي : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته : كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مساءته » . ( رواه البخاري عن أبي هريرة حديث رقم 6502 ) فكل ما ظهر من الإنسان من نقص فهو له وكل ما ظهر فيه من كمالات فهي للّه تعالى .